السعيد نجم يكتب: وطارت عقولنا!

382
123*123

احصائية: 86500 علما مصريا فى مختلف فروع العلم فى أمريكا وكندا.

نعرف ويعرف العالم تماما كما نعرف، أن المصريين أكثر شعوب العالم ارتباطا بترابهم الوطنى، أن أى مصرى يعتبر نفسه منفيا ولو أوتى مفاتيح بلد المهجر، فحقائبه معدة دوما للعودة، يتردد فى أعماق نفسه البيت الشعرى الخالد: وطنى لو شغلت بالخلد عنه*** لنازعتنى إليه فى الخلد نفسى ماذا يعنى هذا غير أن علماءنا، أى عقولنا هجرت قسرا بشكل من الأشكال ولم تهاجر عن طيب خاطر؟!

لوبقى العالم الأشهر أحمد زويل بيننا لتحول إلى موظف بيروقراطى أيا كان موقعه فى السلك الجامعى، وعليه أن يقبل وضعه، أو يصاب بالاكتئاب، وإن رضى بوضعه شبه البيروقراطى يمكن أن يقذف به تقرير أمنى خارج أسوار الجامعة! ليس أحمد زويل إلا كمثال فكثير من العلماء المصريين خارج قطرنا لهم ذات القيمة العلمية لزويل وإن لم يحققوا ذات شهرته العالمية ( جائزة نوبل).

العالم إنسان زاهد بطبعه، فقد وهب نفسه للعلم والبحث العلمى، كل مايحتاجه هو تهيئة الظروف حوله من أدوات وامكانيات مادية وتقنية ومعنوية للقيام بما وهب نفسه له، والعمل بروح فريق محترف لكرة القدم، يعرف كل فرد فيه واجبات موقعه وضرورة تعاونه الكامل غير المنقوص مع كل أفراد الفريق لمصلحة الفريق مؤثرا إياها على مصلحته الشخضية، فمجده مجد الفريق، ونجاحه نجاح الفريق..هل يعرف البحث العلمى عندنا روح الفريق؟! انظر إلى ميزانية البحث العلمى عندنا ينقلب إليك البصر وهو حسير!

انظر إلى هيئات التدريس فى جامعاتنا فسترى مالاتراه فى أى بلد يعرف للعلم قداسته. ستجد أسرا بعينها استولت على مقاعد التدريس فى معظم جامعاتنا، وكأن العبقرية نفرت من كل المصريين لتستقر فى تلك الأسر، ناهيك عن التقارير الأمنية وهى أهم مسوغ من مسوغات التعيين فى هيئات تدريس جامعاتنا! ومن نافلة القول أن ظاهرة التوريث هذه تفرض سطوتها فى كل مفصل من مفاصل بلدنا: فى الوظائف السيادية، وشبه السيادية، فى الإعلام، فى الفنون، فى الرياضة، فى كل أنشطة حياتنا! وضعت أمتنا وقت أن كانت فى مسارها الصحيح أسس الحضارة الحديثة لعالمنا، وقتها كان العالم الذى لايتقن اللغة العربية فى أى مكان بالعالم لايؤخذ عنه، ومعاهدنا العلمية قبلة كل من اتخذ العلم سبيلا. عقولنا فى الخارج تدفع عجلة تقدم البشرية بقوة بينما بلادنا تغط فى نوم عميق فى غرف التاريخ الرطبة العتيقة. أى أننا على مستوى الأفراد فى موقع مرموق، لكن بلادنا لاموقع لها! لايمكن لوم العقول المهجرة بحال فالمجبر لاذنب له ولا جريرة.

لايخفى على فطن أن كل عالم مصرى حيث أقام أقصى آماله أن يفيد وطنه بعلمه، وأن جلهم بلا أدنى شك يتمنى العودة إلى بلد الميلاد ليأخذ بيد أهله وذويه إلى مسار التقدم. لو أردنا الخروج من الوادى الضيق إلى رحاب بلادنا الواسعة علينا فقط أن نوصل المرافق الأساسية والطرق إلى أية بقعة ولو فى أقاصى مصرنا، سيهرع إليها الناس لتعميرها واستيطانها ودون نداء، كذلك لو هيأنا الظروف المناسبة للبحث العلمى لعادت عقولنا العلمية إلى بلادنا وأيضا دون نداء. لم تطر عقولنا راغبة للعيش على غير أشجارنا، نحن الذين أجبرناها، وكى نكون عقلاء علينا أن نحافظ على ماتبقى من عقولنا، وأن نعمل على تهيئة الأعشاش المناسبة لعودة ما طار منها باحثا عن ملاذ. أكرر لاأمل من التكرار أن التقدم إرادة سياسية، وأنه بإسهامات عقولنا لا عقول غيرنا يمكن أن نلحق بركب التقدم، وفى فترة وجيزة لاتتعدى العقد الواحد.