المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى يكتب : الحسن البدراوى زهرة شباب القضاة الذى رحل

147

رحل عن دنيانا منذ أيام قليلة اثر حادث أليم  المرحوم المستشار الحسن البدراوى  نائب رئيس مجلس الدولة وعضو مجلس إدارة نادى قضاة مجلس الدولة  , رحل أحد زهور شباب قضاة المجلس من جيل الوسط  , كان رحمة الله عليه طاقة أمل رغم صعاب الأيام , رحل  قبل الوداع الأخير والكلام الأخير والتصافح الأخير ! رحل قبل انتهاء الكلمة ، فليس في الفجيعة أقسى من الغياب، وليس في الغياب أوجع من رحيل من نحب ؟ وهل بعد مصيبة الموت وجع ! إن الحنين لا يهدأ , والذاكرة لا تنسى , والشوق لا ينطفئ ولكن هذه هي الحياه اليوم نبكيهم وغداً لا نعلم من الذي قد يبكينا  , فلا يكفى وصفك بالمداد , ولا يكفى الحزن على فراقك بملابس الحداد , ولا يكفى أن نرفع لرحيلك أعلام السواد , فبعادك أبلغ من عبارات الرثاء في ليلة عزاء , لأنك تخرجت فى مدرسة الاخلاص والتضحية والفداء .

وقد تصادف رحيله في الذكرى السنوية لفقيد شباب القضاة المرحوم السباعى الأحول اثر حاث أليم أيضاً ومن قبلهما شهيد الوطن عمر حماد , عناقيد شباب قضاة مجلس الدولة تتساقط في خريف الزمان , كانوا قضاة متحمسون للعدالة  يضيئون الطريق بكلمة عدل ونور ,  كانوا أجمل ما نعرف وأصدق من ألتقينا بهم ، سلبهم الموت منَّا , سيبقي بداخلنا شيّء منهم ! لا نملك سوى أن ندثرهم بأصدق الدعاء و بأوفى الكلمات ورحم الله جميع موتانا وجمعنا بمن أحببنا في نعيم جنته .

لقد تعلم أبناء جيلى  من جيل الشوامخ الذين سبقونا في الالتحاق بصرح مجلس الدولة العتيد ومنهم من رحل , ونحن بدورنا نغرس تلك القيم فيما عُلمنا به للشباب الأحباب ، فالعطاء يتوقف على الاجتهاد في الفترة الزمنية الزاهية في حياة القاضى  وهى مرحلة الشباب إنها مرحلة القوة والحماسة والتوهج , مرحلة النشاط والتوقد والتفتح والنباهة  , ليكون زاداً  في مرحلة الكهولة التى  تميل فيها  إلى المغالبة  , و في مرحلة الشيخوخة التى  يغلب فيها  انظار الطمع.

لقد كان البدراوى رحمه الله بين زملاء جيله شجاعاً , فالشجاعة أهم الصفات الإنسانية لأنها الصفة التي تضمن باقي الصفات  , ولقد تعلمنا من شيوخنا الأوائل الذين رحلوا عن الحياة  أن من لم يجد في نفسه الشجاعة الكافية للمخاطرة في حب الوطن فلن يحقق شيئاً في حياته , كما تعلمنا كذلك أن العواصف تجعل جذور الأشجار تتمسك بالتربة فتصبح جذورها أعمق التصاقاً في باطن الأرض , فالشجاع من يخلق من اليأس أملاً، لأن اليأس فيه طعم الموت , وفى الشجاعة معنى الحياة.

وإذا تحدثنا عن صفات الحسن البدراوى فتتجسد فيه معانى الرجال والرجولة في زمنٍ عزت فيه أخلاق الرجولة ، وهناك فرقٌ بين الرجل والذكر، فكل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجل، ما أكثر الذكور لكن الرجال منهم قليل، ولقد جاءت كلمة : " ذكر " في القرآن الكريم غالباً في المواطن الدنيوية التي يجتمع فيها الجميع، مثل الخلق وتوزيع الإرث وما أشبه ذلك، أما كلمة : " رجل " فتأتي في المواطن الخاصة التي يحبها الله تعالى، ولذلك كان رسل الله إلى الناس كلهم رجال قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا" سورة يوسف : الاَية 109 و قوله تعالى: " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" سورة الأحزاب: الاَية 23 , والرجولة أولاً لدى شباب قضاة مجلس الدولة : قوةٌ في القول، وصدعٌ بالحق، كلمة حق عند سلطان جائر، قال الله تعالى: " وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ" سورة غافر : الاَية 28. والرجولة ثانياً   صمودٌ أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات، حذراً من يوم عصيب يشيب فيه الولدان وتتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، قال الله تعالى: " رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ" سورة النور: الاَية 37.  الرجولة ثالثاً ليست سلطة بطش تسلط  على رقاب عباد الله  وليست رفع الصوت والصياح وليست عرض للقوة والعضلات بل هى الفضائل الثابتة، والأخلاق الحسنة.  فعند الأزمات تشتد الحاجة لوجود الرجال الحقيقيين، وعند الفتن نحتاج إلى رجال يدافعون عن الحق ولا يخافون في الله لومة لائم. يقول الله تعالى: " قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ" سورة المائدة: الاَية 23 وصفوة القول أن الرجولة هى الصدق مع الله والثبات على المنهج.

فيا شبابَ مجلس الدولة  لي مَعَكم حــــديثٌ شجى ينطـــــوي عليه القلب الوقود  وحذارِ من كلّ اختـــلافٍ  به الشّحناء والبَغـــضاء تعـود ,  فامضوا على سَنَن الرشاد ولا تحيدوا عن الحق والوعود , وسيروا في طريق تُطرق للعدالة فيه باب الخلود , فكلّما وجــــدت شباباً  أبيــّا لا تُذله القـيود , وأنتم خيرُ من يســـعى لمجـــد مجلس الدولة  فأحيُـــوا مجدَه وشيدوا بناء العدل كالسدود وإنَّ وجــــوهكم بالحـقِّ بيضٌ  تشـــعُّ نوراً وأوجهُ الكارهين لكم سُـودُ , فعليكم بحمل راية شيوخنا الأوائل وكونوا  ذوي بأس في عملكم كما كان الجــــدود  , ومهما كانت غيوم السحب فلا تتــفرّقوا شِيَعــاً  بل كونوا على عهدكم فى حب الوطن دون وسيط كالجنود الحشود والموقود الموعود .

لقد شق  البدراوى حياته كغالبية شباب قضاة مجلس الدولة اعتماداً على ذاته في الاجتهاد , ولم يقم نفسه على أحد , فالتاريخ وهو بمثابة المختبر في الحياة  يثبت أن خيرة القضاة هم من يتسلقون جبال الصعاب بأنفسهم دون حاجة لمساعد أو مُعين , فعندما تولى الحجاج ابن يوسف الثقفي شئون العراق، أمر مرؤوسه أن يطوف بالليل، فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان فأحاط بهم وسألهم: من أنتم، حتى خالفتم أوامر الحجاج ؟ فقال الأول:  أنا ابن الذي دانت الرقاب له ما بين مخزومها وهاشمها تأتي إليه الرقاب صاغرة يأخذ من مالها ومن دمها . فأمسك عن قتله، وقال لعله من أقارب الأمير. وقال الثاني:  أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وإن نزلت يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره فمنهم قيام حولها وقعود . فتأخر عن قتله , وقال: لعله من أشراف العرب. وقال الثالث:  أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه وقوّمها بالسيف حتى استقامت ركاباه لا تنفك رجلاه عنهما إذا الخيل في يوم الكريهة ولّت . فترك قتله وقال: لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج، فأحضرهم وكشف عن حالهم ،فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن الخباز، والثالث ابن حائك.فتعجب الحجاج من فصاحتهم، وقال لجلسائه: علّموا أولادكم الأدب، فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم، ثم أطلقهم وأنشد: " كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب , إن الفتى من يقول ها أنا ذا , ليس الفتى من يقول كان أبي" ------- رحم الله زميلى  البدراوى فقد كان مؤدباً وفصيحاً , فأنت الاَن فى دار البقاء تعزف لك الملائك لحن السماء بين يدى رب العالمين واقدم لروحك الطاهرة كل الدعاء بجنة الخلد , ونقرأ لك الفاتحة .

مشاركة