حنان الوادعي تكتب: ملمع شفاه

451

فتحت شنطتها الصغيرة الخاصة بمساحيق التجميل والتي تضع فيها دائما ثلاثة أشياء: كحل أسود، أحمر شفاه ليس أحمرا- وملمع شفاه بلون طبيعي أقرب إلى اللون البني الفاتح من ماركة "سيفورا"!

أخرجت ملمع الشفاه لتكتشف أنه على وشك الإنتهاء! كيف لم تنتبه قبل أن ترجع إلى صنعاء أن تشتري لها واحدا تستخدمه بعد أن ينتهي هذا! شعرت بحزن بالغ لكنها فكرت أن الأمر أبسط من أن تحزن بسببه، كل ما عليها هو أن تطلب من واحدة من صديقاتها العائدات إلى صنعاء قريبا أن تشتري لها واحدا! وبينما طائرات العدوان السعودي تحلق في السماء وتضرب صاروخا وراء الآخر، وبينما البيت يهتز من قوة الضربات، جلست القرفصاء في الظلام الدامس تفكر في من هي الأنسب من صديقاتها لتطلب منها أن تشتري لها واحدا أو حتى اثنين، نعم الأفضل أن تطلب اثنين فالحرب قد تطول أكثر مما طالت والاحتياط واجب!

اهتدت اخيرا إلى اسم الصديقة التي ستطلب منها أن تبتاع لها الملمع، فأخذت هاتفها الجوال بسرعة وبعثت لها رسالة على الواتس اب فجاءها الجواب في نفس اللحظة: - طبعا ولا يهمك فقط ابعثي لي اسم ورقم ملمع الشفاه! دق قلبها بعنف، فهناك احتمال كبير جدا بأن يكون الأسم والرقم قد محيا تماما وحينها لن تتمكن من الحصول عليه ابدا فحتى لو صورته وارسلت الصورة لن يظهر اللون واضحا! لم تصبر حتى الصباح أخرجت ملمع الشفاه في الظلام الدامس، وبينما صواريخ آل سعود لا تزال تمطر في مناطق متفرقة حاولت بضوء مصباح شمسي صغير أن تتحقق من وجود الأسم والرقم! لكن للأسف انطفأ المصباح الصغير في نفس اللحظة! تنهدت بحزن عميق..

وقررت أنه من الأفضل لها أن تنام حتى يأتي ذلك الضوء المرتبط بخيوط الرب الذي لا يقدر على تدميرها "كلفوت" ولا صاروخ! نامت بصعوبة وقلق..لكنها نامت في النهاية! عندما استيقظت كان أول ما فعلته أن اخرجت ملمع الشفاة من الشنطه بلهفة كبيرة ورفعته أمام ضوء الشمس فسطع الاسم والرقم 04 Perfect Nude! ابتسمت ابتسامة واسعة وتنهدت تنهيدة ارتياح طويلة وشعرت بأنها تريد أن ترقص فرحا..ورقصت فعلا! لا أحد يعلم كم تحب هذا اللون..لون طبيعي يشبه بشرتها، فقط يعطيها طلة حلوة خالية من الابتذال!

سمعت تحليق طائرات العدوان السعودي، كانت في حوش المنزل لكنها لم تكترث كثيرا فهو مجرد تحليق بريء لبث القلق والذعر النفسي لا غير، لكن لا صواريخ ولا نوافذ تهتز! فتحت هاتفها بفرحة لترسل لصديقتها اسم ورقم ملمع الشفاه لكن قلبها انخلع عندما أدركت بأن الانترنت مقطوع! نادت زوجها وهي تكاد أن تبكي وبصوت كله رجاء: أرجوك أن تصلح الانترنت! صعدت إلى الدور الثاني ووقفت إلى جانبه وهو يفحص البطارية المتصلة بألواح الطاقة الشمسية وبعد قليل التفت ناحيتها وهو يقول بصوت واجم: هناك خطب ما البطارية لم تعد تعمل! شعرت بصدمة كبيرة لكنها تمسكت بالأمل، الحياة بدون أمل موت بطيء وقاسي للغاية، وهي غير مستعدة للموت بهذه الطريقة البشعة، لهذا قالت له بحماس مصطنع: لا بأس نستطيع أن نشغل المولد الكهربائي!

فكر قليلا ثم قال لها بحزم: لم يبقى معنا إلا دبة بترول واحدة وعلينا أن نرشد استخدامها جيدا لأوقات الحاجة القصوى فكما تعلمين البترول معدوم حتى في السوق السوداء! لكنه وما أن رأى الدموع تتزاحم وتتدافع في عينيها حتى انهارت مقاومته سريعا وقال لها بصوت مستسلم: خمس دقائق فقط حتى ترسلي الرسالة! عظيم..خمس دقائق هي كل ما تحتاجه لتشعر بالسعادة تغمر كيانها مجددا! و..بعثت بالرسالة لصديقتها وفيها اسم ورقم ملمع الشفاه! قالت لنفسها: كم أنا محظوظة يا رب.. جاء الليل، كما يفعل كل ليلة بمنتهى الإخلاص، وقبل أن تنام قالت لزوجها بفرح غامر بأن صديقتها فلانة اخبرتها بأنها ستشتري لها غدا ملمع الشفاه الذي تحبه وأنها ستصل إلى صنعاء بعد أربعة أيام على الأرجح! نظر إليها زوجها طويلا ثم ضمها إليه وهو يقول بصوت متأثر: للأسف يا حبيبتي لقد اغلقوا مطار صنعاء مرة أخرى وعليك أن تعتادي العيش لفترة قد تطول أو تقصر بدون ملمع شفاه!

نظرت إليه غير مصدقة لكنه هز رأسه مؤكدا على كلامه وكل أسف الدنيا باديا على وجهه! بكت..بكت كثيرا على صدره وهي تلعن هذا العدوان الحقير الذي يسرق منا كل مباهج الحياة وزينتها! ثم بدأت الطائرات في التحليق.. وبالضوء المتبقي من المصباح الشمسي الصغير تأملت ابنتيها طويلا وفكرت في كيف من الممكن أن تشطر نفسها إلى شطرين، كل شطر يحمي واحدة! أو كيف من الممكن أن تحولهما إلى كائنتين صغيرتين جدا وتخبئهما بين خصلات شعرها، أو كيف تواصل مشوار اينشتاين وتتوصل إلى القدرة الكاملة على عبور الزمن لتعود إلى بداية قصة حبها مع زوجها وتشترط عليه أنها لن تنجب ابدا إن أراد أن يكمل حياته معها! تتنهد بصوت خفيض وهي مثل كل ليلة تعرف استحالة تنفيذ أي من هذه الأفكار الحمقاء، ومثل كل ليلة تعرف أن الحل الوحيد هو أن تنام محشورة بينهما فهي لن تنشطر ابدا لتحمي كل منهما على حدة وايضا هي لن تحمي واحدة وتترك الأخرى..لهذا فالحل الوحيد المتاح الآن هو الإنحشار! أطفئت المصباح، ستنام وتفكر فقط في الاشياء الممكنة..مثل كيف يمكنها الحصول على ملمع الشفاه؟!

مشاركة