د.اكرم السيسى يكتب :لا مجاز في لغة القانون

416
123*123

اللغة هي وسيلة اتصال لنقل معلومات بين طرفين، الأول "راسل" والثاني "مُستقبِل"، كما أن اللغة هي نوعان: الأول "اصطناعي"، وهي وسيلة التعبير الوحيدة للمخلوقات غير العاقلة، فالتعبير لديها يكون بالأصوات أو بالحركات أو بالروائح...، مثل النحلة عند عودتها إلي خليتها تخبر رفيقاتها عن نوعية الغذاء بالرائحة التي تفوح منها متأثرة بما أكلته؛ وعن كمية الغذاء بالتردد الصوتي الناتج عن الرقص الذي تقوم به؛ وعن المكان بالرقص الدائري  للتعبير عن مسافة تقل عن خمسين مترا، وبالرقص الاهتزازي عشر مرات في شكل حلزوني كالرقم (8) لمدة 15 ثانية لمسافة مائة متر، وست دورات في 30 ثانية لمسافة 500 متر...، ولو أن الإنسان لم يتعلم لغة النحل لما عرف عنها شيئا.

أما التعبير لدي الإنسان يمكن أن يكون باللغة "الاصطناعية" سالفة الذكر -متضمنة الرموز (كإشارات المرور والأسهم...)، والصور أو الرسومات؛ أو باللغة "الطبيعية" –النوع الثاني-، وهي الوسيلة الأعم بين أفراد البشر (بالكتابة وبالصوت)، كما أن للغة مستويات: العامية والفصحى؛ القديمة والحديثة، فضلا عن هذا توجد اللغات المتخصصة مثل لغة البحارة، ولغة الطيران، ولغة التخصصات العلمية والمهنية، لا يفهمها إلا أصحاب هذه التخصصات والمهن، أما لغة القانون فهى غير ذلك، يجب أن تكون عامة للجميع، وأن تتميز بالوضوح الكامل، وهو ما يطلق عليها بـ"الخطاب الصريح"explicit discourse ، ويقابله الخطاب "الضمني"implicit discourse، والخطاب الأخير يُستخدم خاصة في الأعمال الأدبية التي تستلزم التعبير بالصور البديعية مثل التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز والتورية...

وبالعودة إلي لغة القانون، لابد أن يشترط فيها التعبير بـ"الخطاب الصريح"، لكونها تخاطب كل فئات المجتمع، وذلك لأنها تحدد حقوق وواجبات كل فرد، كما أنها تُبين بدقة للناس جميعا الجزاءات أو العقوبات بكل دراجاتهما –من الإهمال إلي المخالفة إلي الجنحة إلي الجريمة إلي الجناية- التي تقع علي المواطن المُقصر في واجباته، أو المخالف للقانون أو المعتدي علي حقوق الآخرين أو حقوق المجتمع أو نُظم الدولة، هكذا نري -علي سبيل المثال- نصوص ومواد  الدستور، نذكر منها.

  • في وصف كيان الدولة بالمادة الأولي: "جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، وهى موحدة لا تقبل التجزئة،  ولا يُنزل عن شيء منها، ونظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون."
  • وفي وصف نظام الحكم بالمادة الخامسة: "يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته، على الوجه المبين فى الدستور."
  • وفي وصف مهام رئيس الجمهورية بالمادة 139: "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورئيس السلطة التنفيذية، يرعى مصالح الشعب ويحافظ على استقلال الوطن ووحدة أراضيه وسلامتها، ويلتزم بأحكام الدستور ويُباشر اختصاصاته على النحو المبين به."
  • وعن موعد انتخاب الرئيس ومدتة رئاسته في المادة 140: "يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة. وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يومًا على الأقل، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوما على الأقل. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة."

نجد أن كل المواد كُتبت بالتفصيل وبالوضوح الكامل، وصفت بدقة الأزمنة والأمكنة والشروط  حتي تبتعد عن أي لبس أو غموض، فلم تلجأ لأي صورة بديعية، وهذا علي عكس ما جاء في مقدمة الدستور، والتي صاغها أدباء مثل الشاعر سيد حجاب، فكانت مليئة بالصور البلاغية وبالبديعيات، هكذا نري البداية:

"مصر هبة النيل للمصريين، وهبة المصريين للإنسانية."

"هذه مصر، وطن خالد للمصريين، ورسالة سلام ومحبة لكل الشعوب."

"مصر مهد الدين، وراية مجد الأديان السماوية."

"هذه مصر وطن نعيش فيه ويعيش فينا."

هذه المقدمة صغناها بهدف عمل تحليل لغوي لبيان السيد النائب العام الموقر، وقبل أن نبدأ هذا التحليل نؤكد علي احترامنا وتقديرنا لكل السادة أعضاء النيابة العامة وعلي قراراتها، حيث أننا لسنا بصدد مناقشة قراراتها، ولكن بوصفي أستاذا جامعيا وباحثا في علوم اللغة، فإنني أنتهز هذه الفرصة لأقدم درسا عمليا في تحليل الخطاب لقرائي الأعزاء ولطلابي تكون مادته العلمية بيان النائب العام الذي ورد فيه "تكليف السادة المحامين العامين، ورؤساء النيابة العامة (...) بمتابعة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وضبط ما يبث عنها ويصدر عنها عمدًا من أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب في نفوس أفراد المجتمع (...)، واتخاذ ما يلزم حيالها من إجراءات جنائية"، إلي هنا نري أن الصياغة واضحة والتكاليف لا لبس فيها تتمتع باللغة القانونية، وقد تم تحديد عقوبة من يقوم بالمخالفات المحددة بأنها "جناية".

فالتكليف واضح والمخالفة محددة بصياغة قانونية مقتضبة، ولكن البيان أضاف بأن هذه التكاليف ترجع إلى ما تلاحظ مؤخرًا من محاولة "قوى الشر" النيل من أمن وسلامة الوطن ببث ونشر الأكاذيب والأخبار غير الحقيقية...

نلاحظ أن تعبير "قوي الشر" تعبير أدبي يحمل صورة بديعية، تعتبر من ناحية "تورية" (Periphrases) لأنها ذكرت الشيء المقصود بغير اسمه، وتسميته بتعبير مركب يصف المعني، فالسابقة اللاتينية (péri) تعني (المداورة)؛ ومن ناحية أخري "كناية"، (Metonymy)، أي "لفظ لا يقصد منه المعنى الحقيقي، وإنما معنى ملازما للمعنى الحقيقي"، ومن هنا يأتي اللبس في المعني، فـ"قوي الشر" تعبير يمكن أن ينطبق علي أصحاب صفات سيئة عديدة، مثل الكذب والنفاق والسرقة والتضليل والقتل....، وكل الصفات الموبؤة، فأي هذه الصفات يُقصد به التعبير السابق؟

ومن هنا نجد أن لغة البيان -في نهايته- ابتعدت عن لغة القانون، ولجأت إلي البلاغة وإلي التفاسير المتعددة! هذا التحول يضعف من قوة القانون، لأن لغة القانون هي بطبيعتها لغة "خشنة" تعبر عن القوة، هكذا نري في الأحكام القضائية حكما –علي سبيل المثال- يقضي بـ"الإعدام شنقا للمتهم"، أو بـ"السجن مع الأشغال الشاقة"...، أما اللغة الأدبية هي ناعمة وخيالية.

وهكذا انتقل البيان من اللغة القانونية "الصارمة" إلي اللغة الأدبية "الحالمة"؛ من "التصريح" إلي "المجاز"، فقرارات النائب العام -محامي الشعب- ليست في حاجة لمبررات، غير أن الحفاظ علي الأمن والإستقرار هما من مهامه دون البحث عن دعائم لتبرير قراراته، فضلا عن أنه لا يستطيع أحد غيور علي بلده أن يُناقض قرارات النائب العام، ولا أن يجادل في ضرورة اقصاء من يحاولون الضرر بمقدرات هذا الوطن، ولكن الخلاف في نوعية لغة التعبير.

والله أعلم!

مشاركة