"ذهـــنـــيـــز" فيلم قصير لــ" بــن عــبد الله مــحــمـد " ملامح درامية في إثارة نــفسية

1202

كتبت: عباسية مدونى

بين توفّر إدارة وتوافر شغف وحبّ للفنّ ، لاسيّما الفن السابع ، ولما تمتزج العصامية بملامح البحث لإنجاز عمل سينمائي ، الغاية منه وضع لمسة بحقل الفن السابع وتعرية مكامن ذات مبدعة ، مع الإشارة إلى تخطّي كل العقبات والحواجز أمام لا مبالاة المهتمين بالحقل الفني ، وأمام من يدّعون مراعاة الإبداع ، ناهيك عن غياب الإعلام الذي من أبرز أولوياته متابعة الحركة الفنية مهما تنوعت أساليبها من باب الدعموالتشجيع ، وإذا ما فتحنا باب السينما الجزائرية فثمّة عديد التجارب التي تناضل في الظل وتبرز عطاءاتها في الظل ، ومع ذلك تظل تلكم التجارب تجابه الأصعب لإبراز مكانتها وطرح إبداعاتها ، وعاصمة المكرة سيدي بلعباس غنية بلفيف من التجارب في مجال الفن السابع لا سيّما الشباب الذي ينهجون اتجاهات متنوعة ومتباينة الطرح لحمل راية السينما ومنحها مكانتها تحضيرا لغد سينمائي مكلّل بالتجارب الجادة والمواضيع الجديّة ، من بين تلكم التجارب نلفي تجربة جمعية فنون العرض وسينما الشباب من سيدي لحسن سيدي بلعباس في الفيلم القصير الذي رأى النور مؤخرا تحت عنوان " ذهـــنــيــز " لكاتب السيناريو والمخرج الشاب " محمد بن عبد الله " ، ومن شاركه بالبناء الدرامي للسيناريو ببصمته الفنان الشاب" أبو بكر بن عيسى " مع كوكبة من الشباب الذي أبدعوا في الفيلم القصير ، مع بطلي الفيلم" بوحجر بوتشيش" و" بن سالم بشير " ، بالإضافة الى كل من " بن طاهر أحمد " ، " محمد درويش" ،" مختار سفيان " ، " صغير حميد" وكل من أسهم من قريب أو من بعيد في تحقيق متعة الفيلم  ، وقد عرض الفيلم على مستوى قاعة سينماتيك " الموكسي" بحضور مجموعة من الفنانين والمهتمين ، والطلبة لمتابعة أحداثه والتعرف عن قرب على التجربة .

" ذهنيز" الذي مدّته 23 دقيقة ، حمل المتفرّج على البقاء بكرسيّه طيلة مدة العرض ، باعتباره حقّق الإثارة الفكرية والوجدانية ، وهو في الأصل ينتمي إلى نمط الإثارة النفسية التي حملت لنا عديد التساؤلات ، ولامسنا من خلاله بعدا دراميا اتّسم بالغموض والرعب وعلى وجه خاص الرعب النفسي ، فــ" ذهــنــيـز " تلكم الكلمة المركبة التي لا وجود لها في الأصل نحتها السيناريست والمخرج الشاب بناء على تيمة فيلمه القائم على قضية تعالج المصابين بمرض الذهان ، وهو مرض عقلي، نفسي بالدرجة الأولى نتيجته صدمة معيّنة ، يحمل صاحبه على العجز للتعايش مع الواقع ، أين يختلّ إدراكه الحسّي ، ويصاب صاحبه بالهلوسة وهو مستويات ، ويزول تأثيره بمجرّد تخطّي تلكم الأزمة ، وربطها بواقع المريض المصاب بالذهان وما يترتب جرّاء إصابته تلكم وإحساسه بالعجز وسط نفق أو رواق مظلم ، يبحث دوما من خلاله عن خلاص ما أو تحرّر من أزمة ألمّت به  نتيجة حادث غير متوقّع .

سعى مخرجنا الشاب مع طاقم الفنانين إلى أن يربط تلكم التيمة بالأحداث ، وهذا ما وفّق فيه في صناعته للفيلم ، أين كان " ميلود" يعيش على ذكرى مرّة ، وهي يوم ميلاد صديقه " هشام " الذي يتذّكره كلّ سنة وحدث أن صادف زواجه ، لتتشابك الأحداث في ذهنه وتتصاعد ، محاولا التحرّر من صدمته التي تؤرقّه والتي ألمّت به منذ يوم الحادث الذي أودى بحياته رفيق الدرب " هــشام " وكان يومها يوم فرحه وعيد ميلاده ، ولغاية تلكم اللحظة كل سنة تسكنه الذكرى ويتربّص به الوسواس ، وعلى مدار سنتين متتاليتين تتفاقم أوضاعه وتزداد حدّة ، وتتّسع رقعة تخيلاته السلبية رافضا التسليم بالواقع الملموس ، إلى أن تقوده حالته المستعصية بعد المرور بكذا محطة  إلى المقبرة ، أمام قبر صديقه " هشام " حينها فقط ، تتشابك الذكريات وتنفرج أزمته مخاطبا الأنا الباطن ، معريّا اللاشعور الذي يستعرض أحداث موت صديقه بالتفاصيل ، أين كان الحديث الأليم الذي أودى بحياته ، وزفّ الى الحياة الأخرى عريسا حاملا شمعة شبابه ، تاركا الذكرى الأليمة لــ" ميــلــود " الذي صارع الذهان في صراعه مع الحياة وما تحمله لنا من مآس وتجارب .

سيناريو الفيلم القصير الذي اعتمد به الصراع النفسي في الأحداث التي تركت المتلقي قابعا بمكانه ، محكوما بردود أفعال تتّسم بالدهشة نتاج التسارع في استعراض الحبكة ، ومحاولة فهم واقع البطلين، وما تبلور جرّاء ذلك نتيجة الصراع القائم الذي تماشى جنبا الى جنب مع السيناريو والموسيقى المرافقة للأحداث ، بالإضافة الى الصورة المشهدية بكل حدث ، وقد صرّح لنا المخرج  ضمن حيّز المناقشة أن العمل المعروض للمشاهدة استنزف منه الجهد الكثير ، واعتمد فيه البحث والتواصل مع المختصين لمقاربة السيناريو وفكرته مع  الموضوع المتناول ، اين استفاد من استشارة طبيب نفسي مختص ومن كل الملاحظات ليدرج بعض التعديلات على الفيلم تماشيا وحقيقة المرض وأعراضه ، ناهيك عن الصعاب التي تلقوها لعلّ أهمها حرمانهم من ترخيص التصوير ، أين تطلّب منهم الأمر المخاطرة بكل شئ في سبيل انجاز الفيلم ورفع التحدي أمام غياب المعنيين والمهتمين الذين يصرحون من وراء منابرهم وكراسيهم بالعناية بالشباب وبطموحاتهم ورعايتهم فنيا وثقافيا ، وعن حق مشروع مدرج بدستور الجزائر الذي يكفل حق ممارسة الثقافة للجميع ، فما بالك حرمانهم من ترخيص لانجاز بصمة سينمائية تضاف الى رصيد السينما الجزائرية ؟ ومهما كانت التجارب متباينة لابدّ من فتح مجال للحوار وللنقاش وللتواصل ان أردننا فعلا المضيّ قدما بالفن السابع وليس التغني بملامح الماضي ومطاردة الأوهام .

صفوة القول ،  أن فيلم  " ذهــنــيــز " لمسة وبصمة اضافية تحسب الى صالح السينما الجزائرية وإبداعات الشباب ، ناهيك عن تجارب عديدة بمبادرة شبابها الذي يعشق الفن لأجل الممارسة وإيصال رسائل هادفة تخدم سينما الغد بإبداعات الشباب وروحهم الفنية وتفانيهم ،  وليس التواري وراء شعارات كلها فقاعات ، ويعدّ الفيلم تجربة جديّة ترصّع مشوار الشاب المبدع " بن عبد الله محمد " الى جانب الطاقم الفني والتقني ، الذي سبق وأن حاز فيلمه على جوائز البلارج الذهبي بولاية برج بوعريريج والمتمثلة في : أحسن فيلم ، أحسن سيناريو وأحسن تشخيص لدور رجالي لــ" بوحجر بوتشيش " .