عباسية مدوني تكتب: كل قناديل الفرح في عيد ميلادك " أمــّاه"

83

 كان لقائي بها من أجمل الصدف التي جمعنا بها القدر ، كانت بابتسامتها الحانية تأشيرة نبل  ومحبة ، نحن لا نهرب من أقدارنا بل هي تجمعنا علنا ولسبب أو أسباب وجيهة بالوجود ، لتكون مميّزة الحضور ، بهيّة  الإطلالة وصارت تحتل مكانا لها بقلبي الصغير ، كانت " ندى" حبيبتي من سوريا والوطن الذي اكتفيت به دونا عن البشر تؤكد على أن يبقى قلبي صغيرا ليحافظ على براءته وطهره في زمن مشحون بالخبث والنفاق ، قلبي الصغير العامر بالحب والإنسانية ، المحموم بالتضحيات والضحكات الآسرة يسع الجميع دونما استثناء فقط ممّن ترتاح لهم الروح ويتقبلهم العقل بكل الرضا والأريحية ، شاءت الحياة أن تجمعني كل حين بالنبلاء ، بالخيّرين ، بذوي القلوب العامرة إنسانية وحبّا طاهرا لأن لي والدة عانت معي آلام المخاض تباركني دوما بالدعاء " أن يسخّر لي ربي في طريقي من عباده الطاهرين ، وأن يبقيني وردة عطرة الحضور بينهم " .

 التقيت تلكم السيدة التي اكتسحت مكانة بقلبي الصغير ذلكم ، كانت ولا زالت تشغل الحيّز الأكبر  به ، جاء  تواصلي معها عطرا ونضرا ، كان الأمر أشبه بمعانقة وهج السماء غداة صبح نديّ ، كان الخجل يعتريني دوما وأنا أكلمها أو أطرح أفكاري ووجهات نظري أمامها ، وكنت أبتسم زهوا وفرحا طفوليا ، كانت ابتسامتها كمن ينثر الورود وباشراقة محيّاها تذكرة أمان ، كانت وستظلّ مميزة ، ففي الأخير علاقاتنا الإنسانية الطاهرة جميعها مميّزة ،  أضحت أستاذة لي بقسم الفنون بجامعة الجيلالي ليابس بسيدي بلعباس ، كنت أقتفي أثر ابتساماتها الحانيّة وألمس عطر إنسانيتها ، مع وهج إخلاصها في عملها مع الجميع دونما استثناء ، وأن تجمعك الأقدار بمن يمثّل الإنسانية في أبهى حللها معناه أنك محظوظ وأن القدير يحبّك ليسخّر لك من عباده الطاهرين كما تدعو لي الوالدة الفاضلة .

 ثمّة دوما بصمة تظل شاخصة وتبقينا أقرب ليتّسع مدى الوجود ، ليغدو المستحيل ممكنا ، الممكن الذي يتماشى ومعدن كل إنسان ، أينما كانت الطريق وعرة ومستعصية أينما كانت الأيادي ممتدّة التي تشدّ على يدينا ، وكلّما خدشتنا الظروف نلفي أمامنا حضنا واسع المدى ليستقبل آهنا وفجعنا ،  وأنّه ثمّة من يشاطرنا ذات الجنون والتمرّد ، يفهم صمتنا ويفكّ طلاسمه ، كما ينقش من ضجيجنا عبورا نحو الأفق ، تلكم السيدة التي اكتسحت مكانة بقلبي الصغير الطاهر ، ومن شغلت الحيّز الأكبر به ، إنها أستاذتي ، أمي ، فراشتي الماسية وكل امتداداتي العظــيمة الــسيـــدة    "برمانة سامية " .

123*123

 

محظوظة أن يكون لقائي اللذيذ بها عالما يحتويني ، قصيدة ما نزال نكتب أبجديتها وإن  خرست أحيانا ،  إنّ في صمتها تتجلّى كل المعاني والآمال ، وطنا نزرع به انتصاراتنا ، نجمّل   فيه براءتنا ، ونكتب انتصاراتنا اللاحقة ، لنبقى نرسم من ألوانه باقي لوحاتنا بجنون الفنان وغنج البدايات الآسرة ، وأن طريقنا الطويل مهما امتدّ سيظلّ بداخلنا نبعا زلالا من العطاء ، من النبل ، من الصراحة ،   من القهقهات، من الحكمة ، من الظمأ المستساغ ، والكثير من الحنين المتربّص   بنا ، والخطوات التي تصنعنا وتنمّي النبض داخلنا ، وأن تعلّمنا كيف نزهر ضمن أفق شاسع على مقاس أمانينا   وطموحاتنا ، وأن تكون هي تحديدا  الجسر الممتدّ لشقاوتي ، لشغبي ، لنضجي ، لصمتي ، لفوضاي الأنيقة ، ولجنوني المشتهى .

 تساءلت مرارا : ماذا يليق بك في يومك المميّز ؟ ما يجب أن أغزله من أبجديّة تليق  بشخصك ؟ وكيف لي أن أنتقي مفرداتي ؟؟؟  وهل لأية لمسة أن تعرّي فرحي ، أن تبسط بوحي المعانق لعطر وردة أهديها لك عربون محبّة ، تقدير وامتنان ...؟؟؟

ا عساني أستاذتي وأمي " ساميــة " إلا أن أذكر أن عناقيد العمر مسبحة بالأنامل العتيقة ، وفي زمن الألق والحضور نتعافى من خيباتنا ، نحتضن الجمال في معناه الروحي ، ننثر عبق الأماني وورود الإنسانية ، ونحلق كفراشات أنيقة تعانق بدورها الجمال وتنثر دررا من العطاء اللامحدود ، بسمة هنا ونسمة هناك وبينهما الشغف آسر واللهفة شاخصة ، ولمساحات الجنون فضاء رحب بين دروب الوصل ، وهنالك أجنحة للعمر وأخرى للعطر تمسح على الجبين ظمأ السنين ، لتغزونا تفاصيل بريئة على مقاس مكابرتنا وعنادنا ، وأنت في كل هذا تزهرين أستاذتي لا تعرفين الجفاف ، وفي احتواء النور تتحقق الأماني العالقة بين ، بين ، وتلكم الفراشات تتباهى عند إشراقة الصبح ونسمات المساء الحاني ، عيث لعبق الياسمين ذكرى ولنكهة الجوري بصمة تشقّ الدروب نحو الصفاء والنقاء ، وأنه في منفى الوجود وصحراء الكون ، ثمة من هم بكل بساطة بلسم للروح ، لغة للحب وللأمل ، عرائش ياسمين تعطر أيامنا ، ملامح تنير ذكرياتنا ، امتدادات عظيمة تمتد وتمتدّ فقط لتذكّرنا أنه ثمة بالحياة ما يستحق الوجود والطموح والمضيّ قدما .

فملء قلبي الصغير العامر حبّا وإنسانية ، أراقص جنون الكلمات وأحتفي باللحظات الشاهقة في الوجود ، أين كتبت لك يوما  أولى خربشاتي غداة فكّي شيفرات وجودك واحتفائي بلقائنا الأول على طول المدّ الإنساني الذي يجمعنا وسيظّل :

لتلكم الفراشات البهية بعالم الدفء الإنساني ، أين نلاحق الحلم والأمل البرئ غداة انتماء ... تحمل بين جنبات الروح عطر العنفوان ودمع الفرح كأخرس تتلألأ عيناه حين ضجيج مباغت ، بذلكم العبور الأنيق الى فحوى الذات وأغوارها نلامس قراءات عتيقة تحمل قهقهات الطفولة ، تلكم الأحجيات بعينها تطلق العنان للعمر الراكض بكل جنون ، بلهفة الحنين أين نقطف راحة بال ، ثقة وودا مغموسين بعطر النعناع في زمن الأمسيات ، حيث نغزل ضفائر الفرح ، وندندن ترنيمة لترتيب فوضى عالقة تخفي وهج الأماني .

  على مقاس نسمة هواء منعشة وباردة ، أبتسم بصدق وأنا ألمح رحلة تلكم الابتسامة المتعلقة بذاك القلب الذي يتفقد بأناقة برجوازية أشيائه الثمينة والنادرة في آيات الإنسانية والإحساس بالانتماء ، فكل سنة وأنت النور والبهاء ، كل سنة وأنت عطر الأماني ونوتة الفرح بعالمي .

 فكل سنة ، وكل يوم أنت توأم للفرح ، وأنت الابتسامة النور ومرفأ الاحتواء ...

مشاركة