محمد الصباغ يكتب : عندما يحدث الهوان في اﻷوطان ؟!

639
123*123

عندما تجد البعض يطرح دعاية أن "الرئيس السيسي " هو منقذ مصر والحال علي ما هو الحال اﻵن ؛ فإن اﻷمر لا يدعو للدهشة فحسب ؛ ولكن لابد من تصدير " التوجس" والريبة في هذه الدعاية الغير واقعية و فيمن يقول بها .

ويطرح البعض اﻵخر قولا يصوغ معادلة : " أن السيسي مقابل اﻹستقرار في مصر" وهذه أيضا معادلة يشوبها الغرض ، والرغبة في اﻹحتماء بنظام متسلط وفاشل في إنصاف اﻷغلبية من المصريين وقد عمل لصالح اﻷقلية الثرية ؛ التي مدته ببعض من فائض ما حصدوه من إستغلالهم للأوضاع في مصر .

السيسي أوصل الحال في مصر إلي ما يمكن تشبيهه بأنه أصبح يقود "قارب " ( مركب) غرق بالفعل الجزء اﻷكبر من هذا القارب . وفي حالة "القارب المصري " شبه الغارق هذا ؛ أصبح السيسي المسئول عن هذا التدهور في وضع الدولة ؛ إلا أنه لم يكتف بإغراق "المركب " ولكنه أيضا يحتكر قوارب النجاة الصغيرة ، بل ويحبس هذه القوارب اللازمة للنجاة ، ويحتكر توزيعها علي : اﻷهل والجند والتابعين وأصحاب المصلحة من إستمراره في الحكم .

لقد جعل السيسي من الحالة في مصر وكأن المصريون ؛ قد أصبحوا في معسكرات منعزلة متخاصمة متحاربة ، وتتوالي علي أرض مصر حروب التصفية ؛ المعنوية والجسدية ؛ للمختلفين مع النظام ؛ في الوقت الذي يعجز فيه النظام عن حماية أرواح جنوده وتطولهم ؛ عمليات القتل الرهيبة في سيناء ؛ رغم إنفاق أضخم الميزانيات في تاريخ الدولة المصرية الحديث علي ترسانات السلاح ؛ ورغم بدائية المجموعات التي تهاجم وحدات الجيش في سيناء ؛ بما يمكن وقف هجمات المعادون للدولة المصرية ؛ لو أراد النظام .

وهو ما يشير أيضا ؛ إلي أن النظام يعتمد منهج الديكتاتوريات ، في أن "النظام قبل اﻹنسان " و في أن مظهرية الحكم تعلو علي وظيفية نظام الحكم ، وأن اﻹنفاق علي اﻷمن الخاص بنظام الحكم ؛ يفوق أهمية إطعام المصريين ؛ بل أن المصريين يحلبون اﻵن من أجل ألا تمس الميزانيات الضخمة والمجهولة الهوية في اﻹنفاق والمكتم علي تفاصيلها من أجل ألا يتم المساس ببذخ إنفاق مؤسسات النظام ؛ التي إقتصر عملها علي محاباة نظام الحكم ؛ وليس علي حماية كيان الدولة المصرية . المصري اﻵن وعموما يعيش الفترة اﻷسوأ في إهانته ؛ كمواطن علي أرض دولته وفي ظل سلطة ، من المفترض أن تمثله .

أصبح من المعتاد اﻵن وعلي الشيوع : إهانة المصري داخل أبنية الدولة ومؤسسات السلطة ، وخاصة داخل أبنية المصالح الحكومية واﻷخطر هو إهانة المصري داخل أبنية العدالة ؛ ممن يفترض أنهم حماة العدالة ، وهذا هو أقصي حالات الهوان في اﻷوطان ؛ وبما سيؤدي إلي الذهاب بمصر إلي الضياع اﻷكيد ، وبما سيجعل من مصر عموما أرضا محروقة ووطن محروق .

المستقبل المنظور مخيف في ظل إستهانة نظام الحكم بكل مؤسساته بتجويع المصريين وإفقارهم والتجني عليهم بإعتبارهم الجانب الذي سيرضخ أو أنهم الجانب الذي يمكن إستغفاله بالدعاية والتأثيرات العاطفية ؛ فقد كان النظام نفسه هو من توسع في إستضرار عواطف المصريين ؛ في حادث قتل الجنود المصريين الكبير اﻷخير في سيناء وما أعقبه من حوادث ؛ رغم أنه الطرف الفاعل بالتقصير .

والمستقبل المنظور مخيف أيضا وبشكل غير مسبوق فعلا في حياة المصريين بعد إستيلاء العسكريون علي السلطة في يوليو 1952 والخوف ليس لمجرد الدعوة لتحد النظام والتي ينتشر اﻵن التبشبر لها لتكون في يوم الجمعة 11 نوفمبر القادم ؛ فلربما هذه الدعوة حيلة من النظام نفسه لإحداث تظاهر مسيطر عليه ؛ يكفل تبديد الغضب داخل صدور المصريون المطحونون ؛ وبما يكون في جانب منه " كمينا موسعا " ﻹصطيد اﻷكثر تأثيرا من جموع الغاضبين ؛ فوجه اﻹخافة اﻵخر يتمثل في سلوك رأس النظام وإصراره علي سياسات إقتصادية ؛ تحرق بالفعل المصريين .

ولو استحضرنا صورة تجسد حال رأس السلطة ؛ فنحن أمام "حيوان صغير " تحول فجأة إلي عملاق كبير ولكن ظل " مخه " علي حاله ؛ مخ حيوان صغير ؛ وبالوضع الجديد لتضخم جسده ، مجرد حركته في أي إتجاه تحدث دمارا كبير ؛ لكل ما تطوله حركته التي تفتقد العقل الكبير ؛ وﻷن المخ صغير فهو لا يستوعب حجم الضرر الناجم عن مسلكه وعن تصوراته وعن أوهامه في مصائر وحياة المصريين .