هناء سيف الدين تكتب: اقتربت الساعة وانشق القمر

585
 الآن، والآن فقط ، بعد انقضاء يوم ثورة 11 /11 أو كما أسموها بثورة الغلابة ، عرفنا كيف تكون ثورة الرفض الديمقراطية ، إذ وقف المصريون صفا واحدا معبرين عن رفضهم لما حدث وما يحدث من انهيار اقتصادي بالبلاد بالصمت، والمكوت في بيوتهم ، فقد كانت هذه هي الطريقة المثلى للتعبير عن الرفض ، ومما لا شك فيه أن التعبير عن الرفض من قبل المواطن بطريقة سلمية امر مشروع ومحترم ، طالما انه لا يشترك في تخريب ما .
وإذا ما قربنا العدسة الزومية و سلطنا الضوء على ما يحدث لتلك البلاد داخليا ، بالدوائر الحكومية العاملة أوالشركات الخاصة الكبيرة ، نجد كثيرا من الفساد المتفشى والذي يتضح جليا في الفساد المالي والاداري حيث عدم العدالة في توزيع المرتبات وتفاوت ذريع في هيكلة الأجور للادارات العليا وسائر الادارات الأخرى ، واختصاص بعضهم بالمكافآت على حساب البعض الآخر وسرقات كبيرة حادثة تحت مظلة الإصلاح والتعديل ، وتعيينات مرخصة للواسطات وأصحاب النفوذ وخراب للميزانية العامة ، وانتهاك لحقوق وسلبيات للاصلاح.
وإذا ندد الموظفون بما يحدث من فساد اداري ومالي داخل شركاتهم وتظاهروا لأجلها ، يندفع الرؤوساء الى التهديد والوعيد لهم ، بدعوى أن هذا أفشاء بأسرار الشركة للعيان ، مستندين إلى وجوب الحفاظ على سريه العمل ونهجه ، ويأن الإصلاح قادم قادم لا محاله .
و مثل ما يحدث على النطاق الداخلي يحدث للبلاد جميعها ، فترى الفساد منتشر وعام ، ولا يحق لنا التحدث عنه للرأي العام ، حتى لا يكون هذا مفضوحا وعاما ، ويجب على المواطنين الشرفاء التكتم والتزام الهدوء ريثما يتم الإصلاح الواجب من قبل من تولى الأمر .
لكننا حين نسلم بضرورة الثقة فيما يتخذ من اجراءات، نقف عاجزين أمام الفساد المتتابع والغير مسبوق من الأجهزة المحيطة تحت نفس المسمى... الإصلاح .. فقد تتسع هوة المعاناه وقد ينفلت زمام السيطرة وتصبح سفينة نوح في خضم اعنف الأمواج ، وحين لا يجد راكبيها أمامهم غير الغرق ، لا يكون أمامهم غير الثوة.
إن ما يحدث في بلادنا بلا شك رهيب ، ومدعو للحيرة ، ومثيرللخوف والقلق ، فها نحن نفتقد مواردنا الغذائية الاساسية التي ننتجها ، وتنهار عملتنا ، ويشل اقتصادنا ، وما زلنا نسمع الشعارات التي تتردد بالتزام السكينة والوطنية والهدوء ، وضرورة الدفاع على مقدراتنا وذاتيتنا ، والوقوف صفا واحدا بجانب جيشنا العظيم ومحاربة من يخول له نفسه بضرب كيان هذه البلاد من الداخل حيث لا يتصف إلا بالخيانة، وإن كل مصري شريف لا يمكنه أن يتنصل من ذلك ، ويلزمنا على الأقل أن نحافظ على كيان البلاد من الداخل ، لاننا بتنا لا نميز حقا من يضربنا أكثر مِن مَن من الخارج، وخاصة ان العيون الطامعه في هذا الكيان المصري العظيم كدولة عريقة من دول الشرق الأوسط قد زاد بأضعاف مما كان عليه ، لأنه بكل مقوماتها وتاريخها هي البلد الوحيد الآمن في المنطقة ، الأمر الذي يلزمنا كمواطنين شرفاء ، أن نتكاتف مع جيشنا المصري ، حيث أصبح هو الكيان الوحيد الذي نرتكن عليه في الحفاظ على أمن وسلامة هذه البلاد الحبيبة التي سيحفظها الله دائما قبل العياد .
لكننا مع تلك الحيرة التي وقعنا فيها من ألم وحب ، ألم لما وصلنا إليه من تردي إقتصادي، وحب في سلامة مصرنا الحبيبة وأمنها ، يحضرني مثل شعبى ترويه جداتنا : (متفرحش فينا الأعادي ) فإننا قد نأتلف بمفاهيمنا وقد نختلف فيما بيننا ، أوقد تضطرب الجبهات وتصير أحزابا كل منها ينادي ويندد ، بل و قد يصل الدمار والخراب من مثيري الأرهاب والفتن إلى بحور من الدماء، كما حدث على حدودنا واستشهد الكثيرين من جنودنا الشباب في سيناء وغيرها ..قد يحدث كل هذا الذي يحدث من قلاقل وفتن ..
لكننا يجب أن نوقن بأن الله الخالق العظيم لن يبقى ظلما ولن يؤازره، فالله العدل سوف يحق الحق ولو كره الظالمون . إن المظهر الحضاري الذي ساد مصر من هدوء ثورة 11 نوفمبر وما بعدها ، يعد أكبر دليل على وعي هذا الشعب ، ويعتبر رسالة موجهة إلى من يهمه الأمر: أننا من الممكن أن نلتزم الهدوء إذا رغبنا ، وأن الثورات المصرية لن تكون لنصرة شخص ما على حساب شخص آخر ، ولن تكون لإعادة بلورة جهة سيادية ما على حساب جهة أخرى ، لا ولن تكون ، ولن يسمح للمواطن الشريف أن تقوم ثورته بتلك المفاهيم المدمرة ، ولكن ما ساد من هدوء والتزام من قبل الشعب الرافض لما يحدث له من تردي ، الشعب الرافض للثورات التخريبية ، الشعب الثائر غضبا في 25 يناير ضد الظلم والسرقات ، يعني شيئا واحدا وهو: أننا لسنا الشعب الضعيف أو الخواف أو الذي يستهان به ، أننا يا سادة وبكل فخر الشعب الجبار الفتى ، الذي لا يقبل الإستهانة بعقله ومقدراته ، نحن شعب الفراعنه المتفائل بفطرته السمح بطبيعته ، المعطاء إلى أبعد الحدود بكرمه ، لكنه في وقت الشدائد، الشدائد التي لبس لها حل غير اتخاذ الحلول بكل حزم واصرار ، يكون تآزرنا والتفافنا المعهود ، والغير مسبوق ، لأننا وإن سمحنا الآن بعصبه العينين لثقة ما قد أودعناها ، فلن نسمح بها اذا ما فقدنا تلك الثقة ، إذ سنحرر تلك العصبة ، لنقرر مصيرنا بأنفسنا ..فلننتظر .. ونتأمل ...ونتفائل ... ونوقن كي نستبين .... اقتربت الساعة وانشق القمر.