هناء سيف تكتب : فنجان قهوة

453
123*123

اليوم كان يوما عصييا بالنسبة له ، عليه ان يحزم حقائبه سريعا، فقد اقترب موعد رحيله، ستقلع الطائرة بعد ساعة من الآن ، كل شيئ اصطحبه معه ، نظارته التي يرى بها معالم مجهولة ، لا يراها سواه ، علبة سجائره التي لا ينقص منها سجارة ابدا منذ اقتناها حيث انه ممتنع عن الترفيه ، قلمه ذو الحبر الأسود الذي يخط به افكاره المجنونة حينما يشاء ، مفكرته المكتظة بالأحلام الشفافة التي لا يراها سواه .

لم يبق إلا دقائق معدوده ، وسوف يغادر ، اقترب من صالة المغادرة ، هم أن يقلع الطائرة ، لكنه تذكر شيئا هاما تركته له حبيبته ، شيئا لا ينبغي ان يهمله مطلقا ، لقد قالت له وهي تهديه بها ، احلم ، بالغ في الحلم ، لا تجعله محدودا ، إحلم كيفما تشاء ، ثم اترك كل شيئ هنا في هذه التربه واسقها بهدوء ..وستجده انشاء الله.

يا الله لقد نسى ان يسقي نبته الأمل، هكذا أسمتها حبيبته ، تذكر هذا بعد ان خطا خطوات الى الصالة المؤداه إلى الطائره ،وفكر، ماذا سيحدث لنبتته ، من المؤكد أن أحلامه ستموت فيها ، سيموت الامل سيموت !

ومن المؤكد أنه سيخلف الحزن لحبيبته التي عاهدها الا يغادر ابدا الا بعد ان يسلمها نبتته الغالية، نبتته التي اهدته بها يوم مولده لترعاها ، انها عادة المرتحلون اذ تأخذهم الفوضى والسرعة وهم يحزمون اغراضهم ، سأل نفسه معاتبا حبيبته : لماذا لم تأتي لوداعي لتذكرني بما نسيت ، ألم نتعاهد ألا نفترق حتى في لحظات الوداع ، ألم أعاهدها بالعودة المثمرة؟ ألم أعاهدها بدوام إخلاصي ووفائي طالما ينبض بي العمر ؟ فلماذا تركتني وحيدا هذه الساعة المضنية من عمري .. مع أنني راحل من أجلها وسأعود .. سأعودلأجلها أيضا ... وماذا يبقيني هنا بعد أن أصبح كل شيئ مهينا... مدمرا للأحلام... محبطا للعزائم... إذا فلتتركني كي أتنفس الحلم بعيدا ، في صبح آخر جميل ..ربما آتيها بشروق جديد .

كل الأوجاع كانت تراها معه صبحا ومساء ، لم يعد شيئا ذو نكهة هنا حتى قهوته التي يدمنها كل صباح أصبحت مرة المذاق ، حتى قطته التي تأتيه تموء بالجوع ماتت رافضة العيش ، وعصفوره الذي يغرد له مهما كان الشتاء أو الحر هاجر رغم ولعه بقفصه ، الهدوء لم يعد مستباحا الا في صمت القبور ، حتى الموتى يناشدون الأحياء باعتناق الصبر حتى يلاقوا موعدهم . نهرته حبيبته حين أحرق بوستات رسائلها التي تدعوه فيها الي حياه رغده بالحب والسعادة ، ولم يبقي شيئا من وعودها غير تلك النبته الغيبة التي كانت رغم أي شيئ تنمو، وكانت الوحيدة التي يتابعها بفرح .

كان كل شيئ يدور في عقله بسرعة ، فقد كتب على نبتته الموت برحيله عنها ، وقد كتب على نفسه الشقاء من ضميره الذي سيوخزه تعنيفا على اهماله لها .

وبينما كان يفكر في كل هذا سمع هتافات تنادي اسمه : على السيد حالم أن يعود لنقطة المراجعة فهناك شيئ هام ... على السيد حالم الرجوع بسرعة لشيء هام ..السيد حالم ... السيد حالم .

وحيث عاد كانت المفاجأة : لقد وجد حبيبته تحمل نبتتها بين يديها وقد أزهرت بها زهرة بيضاء . احتضنها وهللت أساريره من الفرحة .. فتح عينيه على طرقات بالباب تنادي اسمه: السيد حالم خطاب بريد مستعجل .. تناوله بلهفة فتحه بسرعه ليقرأ مابه ، كانت الرسالة مطوية بأناقة من البنك تدعوه لسداد المستحقات التي عليه.

ابتسم ودعا ساعي البريد الى فنجان آخر من قهوته المرة.