جمال غيطاس يكتب :المستبد الفاشل .. والثورة المزيفة

446
123*123

 يحكى أنه في قديم الزمان، كان هناك رجلا من قادته المقادير إلى سدة الحكم في بلاده بغته، مرفوعا على الأعناق، محاطا بالمحبة، متوجا كبطل ومنقذ، وما إن جلس على كرسيه حتى زف لشعبه وعودا براقة، بعثرها بلا خطة وبلا حساب.

شيئا فشيئا سلبت السلطة لبه، وتمكن الجاه والسلطان من عقله وقلبه، فراحت شخصيته تتغير، أو بالأدق تتكشف، وبدأ مخبره يطغى على مظهره، فإذا به مستبد نهم للسلطة، وخائفا من ضياعها بعد تذوق حلاوتها وجاهها، ومن ناحية ثانية، فاقد للكفاءة، خالى الوفاض من الرؤية الحكيمة، والعقل المحنك في الحكم وسياسة أمور العباد.

لم ينقض وقت طويل على وجوده حاكما، حتى كان استبداه يعلو درجة بعد أخرى، وقسوته تشتد طبقة فوق أخرى، من دون أن يسمع لشعبه أنينا، أو يستجيب لصرخة ألم. البراعة الاكبر لديه، كانت الخبث والمكر والدهاء في تثبيت أركان حكمه، وإبعاد شبح النهاية عن نفسه، وحينما رصد نذر التذمر وهى تتجمع، وموجات الرفض وهى تتكون، وبوادر الاختناق وهى تتسرب إلى النفوس، شحذ فكره، وأوصله خبثه إلى أن عليه أن يبحث عما يجهض نذر التذمر ويشرذمها، ويصرفها في اتجاهات شتى حتى لا تتجمع، وأن يفتش عن موجات الرفض ويجد لها مصبا، تفرغ فيه طاقتها وتبددها في اللاشىء، وينقب عن احاسيس الاختناق، ليزاحمها بأحاسيس اخرى تطغى عليها، وتجعل الصدور ترتجف فرحا أو رعبا. وجد ضالته فى اختلاق فزاعات تثير في النفوس الإحساس بالخطر الآتى من خونة الداخل ومتآمرو الخارج او كلاهما معا، ومضى على هذه الوتيرة، يصرف بها عيون الناس عن فشله واستبداده.

جرت الاحوال على غير ما يشتهى، فقد كان الفشل في الإصلاح حاد الأثر، حتى أن فزاعاته لم تنجح في قطع الطريق على التذمر، ولم تئد موجات الرفض في مهدها، ولم تسربل الاختناق، وتخنقه وتقوقعه في النفوس يأسا وقنوطا.

استمر لفترة في طريقه، وكلما ازداد فشله، وتوحش استبداه، رفع وتيرة فزاعاته، حتى عاد وجلس مع نفسه مجددا يفكر فيما يجرى وكيف يواجهه. أثناء تفكيره ... طرد من رأسه كل خاطرة تشير إلى أنه فشل فى سياسة أمور الناس، وفى إدارة مواردهم، وتنمية وتحسين أحوال معيشتهم، ورفض تماما ان ينظر إلى استبداده الذى سد على شعبه كل منافذ التفكير الحر الخلاق القادر على البناء، ونسى عامدا متعمدا الفساد الذى تركه يترعرع تحت مظلة الاستبداد، حتى كتم أنفاس كل فرصة للنجاح والخلاص قبل أن تولد وتأخذ حقها في الحياة.

تخلص من كل ذلك ودفنه في أعماق نفسه السحيقة، ثم عاد إلى خبثه يستنهضه، وإلى مكره يستحثه. انتهى من تفكيره إلى أنه لو كانت هناك ثورة حقيقية نذرها تتجمع، وموجاتها تتشكل، فلماذا لا يختلق ثورة مزيفة "مدارة"، أى يقوم هو بإدارتها من الألف إلى الياء ، تقطع الطريق على الثورة الحقيقية، وتفرغها من مضمونها، وتكون تحت السيطرة منذ ظهور الدعوة إليها بطريقة غامضة، تجعلها تبدو في عيون الكثيرين عفوية صادقة، إلى موعد وقوعها ثم التحكم فيها والسيطرة عليها بحيث تقع وتنتشر كل مقوماتها وتداعياتها ومكوناتها، كما يريد هو، لا كما تريد الثورة الحقيقية لنفسها وللقائمين بها؟ قال لنفسه إن الثورة المزيفة "المدارة" المضروب موعدها سلفا، والموضوع قدرها وحجمها تحت السيطرة المسبقة، هى ضربة واحدة لاصطياد عدة عصافير معا، فهى تحدث لغطا ووهما بين العامة بأن هناك ثورة ستقع، وبدلا من أن يمضى احساس التمرد صوب التجهيز للثورة الحقيقية، تنصرف كل هذه الامور لتضع نفسها بنفسها تحت إمرته هو، دون أن يشعر الثائرين والساخطين بذلك، وهكذا يتفادى خطر المواجهة الحقيقية ولو إلى حين. جمع اسراب معاونيه، وخطط للثورة المزيفة "المدارة" بكل تفاصيلها، لتمضى بنعومة، وتتسلل بخفة الى المجال العام باعتبارها وليدة الفشل، واعتراض على الاستبداد.

حينما حل موعد الثورة "المدارة" المزيفة، كان هناك من انقاد إليها، ولم يدر أن أصابع المستبد تحركها، فظهر كثيرون بالشوارع والميادين ساعين للخلاص، بنفس صادقة، وتمرد مسالم نبيل. جلس يراقب مجريات ثورته التى صنعها على عينه، ولأنها ثورة مصطنعة ومدارة ونبت غير طبيعى، وفي غير الأوان، اتضح بعد انتصاف يوم الثورة المزيفة أن الاعداد بالشوارع والميادين هزيلة ضعيفة، فبدا المشهد وكأن الاغلبية الساحقة من الشعب مؤيدة وداعمة له، ولاتزال تراه قائدا حكيما عاقلا عادلا يعمل بهمة لا تضاهى من اجل البناء والإصلاح.

انفرجت أساريره، فقد سقط العصفور الأول في يده، بعدما بدت حوادث الثورة المزيفة كإثبات للجميع أن شعبيته كاسحة، والأغلبية معه، وكل ما يقال عن ثورة واعتراض وتمرد واختناق، ليس سوى دعاوى وأوهام، وبدا يستقر في وعى الناس أنها أوهام يثيرها من في قلبهم مرض، من القلة المندسة الحاقدة الخائنة.

عند هذا الحد تيقن أن بوادر التذمر قد صفيت، وموجات التمرد قد صبت في اللاشىء، واحاسيس الاختناق لدى الناس قد تغيرت، وتحولت إلى اليأس والقنوط والفشل وعدم القدرة على فعل شىء، وكان هذا هو العصفور الثانى الذى وقع في المصيدة، وهنأ نفسه عليه. لم ينقضى نهار أول يوم في الثورة المزيفة، إلا وكان قد جعل منها الغطاء والمبرر والمسوغ الذى يبحث عنه، لكى يطلق موجات جديدة من القسوة والاستبداد والاستئصال، والعسف والعصف بكل من يرى أنه لا بد من كسر شوكتهم وإزالتهم، من المعارضين والمشاكسين والناصحين والعاقلين والمفكرين، وكل من يريد أن يظل إنسانا، لا ينبغى له أن يقبل الاستبداد والاستعباد والفشل.

فى المساء كانت موجة العنف والعسف والعصف والقسوة والمزيد من الاستبداد تعصف بشعبه ومعارضيه، وتضع بين يديه العصفور الثالث الذى وقع في المصيدة. انتهى يوم الثورة المصطنعة وقد استطاع ان يصرف عن كرسيه ـ ولو إلى حين ـ اخطار الثورة الحقيقية، وفتح لنفسه طريقا جديدا للاستبداد والفشل بلا محاسبة، وللتلاعب بمعارضيه كيف يشاء، بالقسوة التى يشاء، والهجاء الذى يستطيع، والعنف الذى يسيل له لعاب حوارييه ومساعديه من أصحاب النفوس المشوهة، التى يسكن بداخل كل منها ثعلب صغير، تواق إلى تحقيق رغبات ديدنها الدناوة، وعدوها النبل والشرف، وردائها التلذذ بعذابات الآخرين. في نهاية اليوم .. استقر على سريره الوثير، مدد قدميه، وأخذ نفسا عميقا، راضيا عما تحقق، وخلد إلى النوم، لكن غابت عنه حقيقة ناصعة، انه مستبد وفاشل معا، والسنن الكونية تقول أن هذا "الكوكتيل" هو الوقود الذى حتما سيقود مجددا إلى تجميع نذر التذمر ، وتشكيل موجات التمرد، وإخراج الاختناق من براثن اليأس والقنوت، وصولا إلى "الثورة الحقيقة"، التى لا يستطيع أحد أن يضرب لها موعدا، او يديرها من خلف الكواليس.