حنان الوادعي تكتب: صفحات عالقة.. أرفف فارغة!

521

بعض الروايات مثل البشر..حظها قليل وعاثر! رواية مسكينة بدأت في قراءتها قبل اندلاع موت كثيف في العائلة..لا أكاد أعود لقراءتها حتى يندلع حزن جديد وهكذا!

الآن صار هناك حاجز نفسي بيني وبينها يشبه الحاجز الذي أقامه الكيان الإسرائيلي العنصري في أرض فلسطين ويشبه الحاجز الذي لم يعد هناك مجالا أبدا لمرواغته بيني وبين كل ما له علاقة بالسعودية بما فيه "حليب المراعي" والكعبة، وهذا حاجز سيتلاشى تلقائيا بعد أن يتم تحريرها من سيطرة آلسعود وتعود لكل المسلمين لكني بالمقابل لست واثقة بأن الحاجز الذي بيني وبين "حليب المراعي" سيتلاشى ببساطة إلا لو تم تغيير اسمه إلى حليب #سلم_نفسك_يا سعودي أو ربما حليب #جاستا!

ومع هذا لم أترك نفسي لليأس، أخذت الرواية على حجري.. حاولت أن اتأملها بحنان عل هذه المشاعر الدافئة تصل ما انقطع بيننا، لكنني شعرت فجأة وكأنها طفل غريب ينظر نحوي مباشرة بطريقة مريبة، تشبه إلى حد ما نظرات الطفل "جان باتيست" في رواية "العطر" للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، ذلك الطفل الغريب الذي ولد بلا رائحة وبحاسة شم قوية حولته لاحقا إلى قاتل! لم أتحمل تلك النظرات فرميتها بعيدا عني!

مع مرور الوقت فقدت كل حماسي تجاهها وكأنها صديق تحمست له فجأة لكن ما لبث أن فقد بريقه بعد عدة لقاءات ولم يتبق إلا ذلك الإحساس بعسر الهضم كلما ظهر اسمه على شاشة الهاتف وتقليب الأفكار ذات اليمين وذات الشمال علني أجد سببا وجيها لأعتذر له عن اللقاء لأجد بأني قد استنفذت كل ما يمكن للإنسان أن يستخدمه في مجال الكذب الفادح!

 المشكلة أنه لم يتبق سوى أقل من خمسين صفحة وأريد أن أعرف ماذا فعل فلان! هل ظهر أخيرا، هل ماتت الأم، هل مات الأب، هل ماتت الجدة، وأين كان الجد محبوسا! هل مات جميع من في الرواية! أسئلة لا يقدر إلا مهرج مثل فيصل القاسم على طرحها بطريقته المسرحية!

قلت لنفسي سأبدأ في قراءة رواية جديدة ثم أعود لهذه الرواية لاحقا! وهذا يمثل تحديا صعبا لطبيعتي فأنا لا أترك رواية حتى وإن كانت مملة قبل أن أنهي كل ما بيني وبينها من صفحات عالقة! هكذا يجب أن تكون العلاقة بين القارئ والرواية علاقة مبنية على احترام متبادل حتى ولو لم يحدث ذلك الحب المتوقع بينهما! وهذا عموما لا يعكس طبيعتي مع البشر فكم من علاقات بُترت بيني وبين أشخاص كُثر بدون أن أشعر بذلك الإلحاح الذي أشعره تجاه الروايات لأعرف ماذا حدث ولماذا حدث فأقفل حينها الرواية برضى وقناعة حتى وإن لم تعجبني النهاية! مضى أكثر من أسبوع والرواية ملقاة تحت السرير! كل كتاب أقرؤه صرت أضعه تحت السرير لأنه بهذا يصبح أقرب لي بما أني صرت أنام على الأرض، فقط أمد يدي وأنا مستلقية والتقطه ببساطة!

وفي واحدة من أشد ليالي القصف السعودي، قررت أن أصم آذاني عن كل تلك الضربات المسعورة وأركز في قراءة بقية صفحات تلك الرواية، بيد أني توقفت فجأة وأنا أتخيل ماذا لو لا سمح الله طالني في هذه اللحظة صاروخ قذر من صواريخ آل سعود! هل معقول يعني أن أموت وأنا أقرأ رواية لم أعد أرغب في مواصلة قراءتها! هل معقول أن اقضي الدقائق الأخيرة لي في الحياة وأنا أجامل رواية بلا رائحة!

وكأن عمري كله انتظر لحظة القصف السعودي هذه لأقرر أخيرا بأن علاقتي مع الكتب من الآن فصاعدا ستكون مثل علاقتي بالبشر تماما! أن أبقى صفحات عالقة بيني وبين رواية ما، هو أكثر احتراما من إكمالها فقط لغرض أن أقفلها بشوق أكبر بكثير من ذلك الشوق الذي فتحتها به! نعم فاحيانا ترك الباب مواربا أفضل بكثير من إغلاقه بالمرة خاصة في هذه الأيام التي صرنا نترك فيها كل نوافذ البيت وأبوابه مواربة لنخفف من إحتمال موت مؤكد فتنحصر حينها الخيارات ما بين إصابة بالغة وإصابة خفيفة!

ما لا يعرفه أحد أني لا أخاف من الموت بقدر ما أخاف من نفاذ سحلية ما من فتحة نافذة شبه مغلقة! يقشعر جسدي من الفكرة وأكاد أحكم إغلاق النافذة لكني أتأمل الأجساد النائمة حولي وأتخيل أني قد اتسبب في قتلها فأتراجع عن قراري وأترك النافذة كما هي! قد لا تكون السحلية بذلك السوء الذي أتخيله!

ولأثبت لنفسي بأني تغيرت فعلا تجاه علاقتي بالكتب، أخذت المصباح الشمسي وبما تبقى فيه من نور بحثت عن رواية جديدة بين كومة الكتب التي صرت أرصها على الأرض خوفا من أن تطير فوق رؤوسنا بفعل غارة صاروخية! أصلا صارت كل الأرفف فارغة.. تلك الأرفف الكثيرة التي لا يخلو منها بيت في اليمن صارت فارغة وكم هو محزن هذا الخواء لمن يعرف ماذا يعني رف صنعاني يرتص فوقه تاريخ من المزاهر والمباخر الذهبية!إنها الحرب القذرة التي تفرغ البهجة من كل ما حولك..ثم تبدأ في افراغك من نفسك بالتدريج!

وبينما أقلب الكتب لأختار كتابا جديدا..نفذ نور الشمس الذي خزنه المصباح! شعرت باستياء بالغ وكدت أمد يدي لآخذ المصباح الاحتياطي لكني غيرت رأيي فربما نفذت الشمس غدا..من يدري!انزعجت من الفكرة رغم سذاجتها وتمددت في مكاني وأنا أفكر بأن علي أن انتهي من قراءة الكتاب القادم سريعا قبل أن يندلع موت آخر في العائلة أو أصحو يوما وقد نفذ نور الشمس فعلا!

مشاركة