دربال محمد يكتب : الصراع النفسي وما يواجهه الممثل السينمائي

113
123*123

 

 

 

        في باب معالجتنا موضوع الصحة النفسية عند الممثلين، قد صادفتنا عدة اشكاليات يجب طرحها للتعريف بموضوعنا ، وهي على الشكل التالي :

- كيف تصدر هده التصرفات عند الممثلين خلال حياتهم الشخصية ؟    

-و هل السبب هو قوة الدور او ضعف الممثل ؟

-لماذا يكون التصادم بشدة للطابع النفسي عند الممثل الشخصية ؟

-هل نعني يذلك عدم حسن اختيار الممثلين في النوع الفيلمي المحدد ؟

-او ان هناك خطأ في التوجيه و الارشادات المهنية للممثلين في مسارهم ؟

      تتعدد الاسئلة و تدخلنا في دوامة من الجدل الذي شد انتباه العديد من المفكرين و العلماء في كلا المجالين ،أي المنهج النفسي و المنهج الفني و هذا ما جعلنا نطرق باب هذا الموضوع بالبحث المعمق في الاطار النفسي كبداية شدت انتباهنا على خلفية الممثل و نشاطه أمام الكاميرا في فرع السينما و التلفزيون أي الافلام و المسلسلات .

   لا أحد يمكنه انكار تأثير الافلام على خلفية ونفسية الممثل سواء بتغيير تصرفاته بإدخال السرور عليها او التسبب بالخوف و الحزن في مجال المشاعر والأحاسيس التي قد تسكن مخيلة الممثل أثناء قيامه بدوره ، بالرغم من علمه التام انه تمثيل لا اكثر، فالممثلون  الذين يتقاضون الملايين مقابل لعب الدور فالبعض قد تعكس الشخصية عليه أمراض نفسية لا يستطيع علاجها بأي من هته الاموال و هذا الاخير قد يعايشها اي ممثل او ممثلة .

  فالصحة العقلية كانت و مازالت توصف بأنها وباء يبطئ النمو و زاد عدد الاشخاص الذين يتعاملون مع تقلباتها داخل الاطار الفني عامة ، بخاصة عند الممثلين السينمائيين فلا يستطيع أن يسلم أيّ أحد من هذه الوحدة او الاكتئاب، فليس من الضرورة أن تنعكس الشهرة و الثراء لسعادة و رضا أصحابها ،      و هذا ما يخطئ العديد فيه ، حيث في ظنهم عند الحكم على الممثل السينمائي الناجح من النظرة  السطحية للمظهر والثروة ،و لكن الباطن يخبئ لنا أسرارا قد تدهش العديد ، فالممثلون و الكتاب           و الموسيقيون معرضون أكثر من غيرهم لهذه الأمراض  التي تعكسها الشخصية الغير حقيقية على من تبناها ،وهذا ما اكتشفه العديد من علماء النفس في أبحاثهم و في منحى ذكرنا لهذه المأساة التي تواجه الكثير من الممثلين يصادفنا مثال عن الاضطراب النفسي لـ" هيث ليدجر" من فيلم باتمان 2008         -ذو دارك نايت ( The Dark Night )  حيث قام بتجسيد لدور الجوكر باحترافية مذهلة ادهشت العديد من مشاهدي هذا الفيلم ،والذي أذهلنا أكثر هو عملية الانتحار التي ارتكبها علي نفسه بعد الاعلان عن الفيلم بمدة ستة أشهر، فالحقيقة ان تمثيله الاسطوري لدور الجوكر قد حصد له جائزة أوسكار و هذه الترقية إن دلت على شيء فهي تدل على احترافية التجسيد البارع ، فقد انغمس في هوية الجوكر          و اعترافه لصحيفة نيويورك ليعيش هذه الشخصية و يسقطها على نفسه ، و هذا ليس بالأمر الهين الذي يجذب للمرء رواسب هذا الفعل الذي دفع صاحبه للانتحار، فشخصية الجوكر كما نعلم قد صنفت من أغرب شخصيات الكوميك في العالم، فهي تحوي تفكيرا غريبا و مجنونا بأتمّ معنى الكلمة تبعا للآلام      والجروح النفسية المتتابعة التي تعرض إليها الجوكر في وسطه و داخل عائلته.

 نستنتج من هنا ،  ان مشاعر الجوكر تجمع لنا الكراهية، الغير المحدودة و الطابع الشرير الاجرامي    و الانتظام في سيرورة العيش و الامر المحزن أنّ في تجسيده لهذه المقاربة داخل هوية الجوكر جعله الجانب المكبوت له يخزن الآلام و كراهية الجوكر، و يطبقها على جان الممثل البريء فهنا وصل الى إنهاء حياة كمأساة نوى فيها أن تجسيد هذا الدور لإمتاع الآخرين دفع الممثل لعدم ضبط خياراته ، و هذا ما يتحدث عنه جون جاك روسو في مقولته أن الذاكرة هي الفيصل في تأصيل الشعور بالألم ، فالامتداد الزمني الحاضر للألم الجسدي يكون نتيجة الامتداد النفسي ، أين نستنتج أن العديد من المنتحرين يصلون الى مرحلة الجنون التي تدفع لها خطوة الانتحار ، ولا نقول أن المنتحر غير مدان بل هو نقطة سوداء في عالم مظلم نتيجة تراكمات تعذبه نفسيا فهنا بلغ المنطق و يسيطر اللاوعي حيث يفعل ما يريد بمن يريد .

      نتابع في طرحنا اختيار عينة من الأفلام التي أعطت فيه الممثلة جهدا أكبر من صنع النار في غابة قاحلة فيلم ستيل أليس 2015 لـ" جوليان مور" حيث يسلط هذا الفيلم الضوء على معاناة مرض الزهايمر عن طريق قصة (أليس) و هي أستاذة جامعية ذات مكانة اجتماعية محترمة عالية و مسيرة مهنية الى ان بدأت تلاحظ تشتتا ذهنيا عند القائها للمحاضرات، بحيث أصبحت تأخذ وقتا لتذكر ما قامت به من بحث لمعلومات ، وهذا أمر عادي قد يحصل لأي منا ، إلى ان تكرر الامر لمرات عديدة وهذا ما دفعها لزيارة طبيب لتشخيص حالتها على أنها مصابة بمرض الزهايمر في طور مبكر و هو أمر نادر جدا بالنسبة لسنها الذي لا يتجاوز الخمسين ، و سبب ذلك حالة وراثية حيت نتابع المعاناة التي بدأت مع تطور المرض بعدما أفقدها عملها ثم تسبب لها في نسيان كل البحوث و الاكتشافات التي أفنت عمرها في الاجتهاد للوصول اليها ، الى سلب شخصيتها شيئا فشيئا و تلاشى المصطلحات الراقية و الأكاديمية التي أسست  بها مستواها الأكاديمي العلمي الراقي ،الى ن اصبحت تجد صعوبة في تذكر أبسط كلمات التعبير عمّا تريد قوله، ثم الى اختفاء ذكريات زواجها وولادة و تربية ابنائها لتبقىكل الصور لا تعني اي شيء لها ، ثم نشاهد "أليس" تتحول من دكتورة مرموقة الى سيدة غير قادرة على الاعتناء بعائلتها لعدم قدرتها على تذكر ابسط الاشياء كمقادير الأكل و  كيفية تحضير متطلبات عائلتها وتفقد مبادئ التعلم لتتحول الى ما يشبه الانسان الأميّ أو أشبه بطفل صغير لا يعرف حتى كيفية يربط حذائه، ويجسّد لنا هذا الفيلم التغيرات القاسية التي تطرأ على حياة "أليس"  مركزا بجانب ذلك على حالتها النفسية في كل طور من هذه الاطوار ، حيت ان  المرحلة الأقسى و الأسوأ هي تلك المرحلة التي تكون فيها دكتورة بمرتبة علم ووعي عاليين الى سقوط حر لاستيقاظ في واقع مر دون اية محاولات و ان وجدت تظل محاولات بائسة فنشاهد تزاحم الاحداث حتى الوصول الى ان "أليس" لا تملك أدنى فكرة عما يدور حولها او الاشخاص المحيطين بها ،  وقد حازت الممثلة فيه على جائزة اوسكار على افضل تمثيل لسنة 2015.

       فور اصدار الفيلم تابعته ضجة كبيرة من اعجاب و لاحقت الممثلة جولين موور العديد من المقابلات التي تتساءل عن دور داخل الفيلم و عن الاداء الجيد له في جميع جوانبه النفسية لتصرح لنا –كانت تلك هي المرة الاولى التي اجد فيها صعوبة في  التخلص من شخصية "أليس" حيت أثرت في شخصيتي و تفكيري ، فقد قضيت اكثر من شهر أدرب نفسي على التعود على وظيفة "اليس" لم أر اصدقائي و عائلتي و لما رأيتهم بعد مدة عمل وجدوني تغيرت كثيرا و هذا ما يسما رواسب الدور..... فنصيحتها كانت بألاّ تترك حياتك مع الشخصيات التي تؤديها لأنها قد تكون في بعض الاحيان وحشية    و تخر لك حياتك .

        هنا ترجع دراسة هذه النفسية على أساس خبرات مكبوتة   في اللاشعور ينقل الى جدار الشعوري و اتاحة الفرصة داخل حياة الانسان بخاصة في تصرفاته التي يبديها في رغباته و مشاعره التي يحملها الممثل تجاه محيط في حياته الشخصية و يمكن حتى ان يتعامل بها مع نفسه في تأني الضمير .

      نلتف في ذكرنا هذا للتشعب النفسي التي لم يسلم منها ممثلوا المسلسلات التلفزيونية و أبرز مثال نلفيه هو المسلسل  المقتبس من نفس الرواية التي صدرت 2007 لـ" جاي اشر" التي تسرد أحداث فتاة أقبلت على إنهاء حياتها على طريقة انتحارية أوصلتها الى دفع الضحية لارتكاب فعلتها على نفسها حيث سبب هذه الاخيرة هي المحيط التي عاشت معه بخاصة داخل ثانويتها،  و يزداد كرهها له يوم بعد يوم يتفاقم إلى حد  الوصول الى عملية الانتحار في حوض حمام بقطع  رصغيها كآخر خيار لها ، ظهر هذا المسلسل سنة 2017 و في العديد من تصريحات  الممثلين و طاقم التصوير و المنتج أنه قد ساد في فترة تصوير احداث هدا المسلسل جو غريب من الحزن و الاكتئاب الرهيبين الذي لم تسلم منها حتى فسحات الممثلين داخل يوميات التصوير حتى أصر المنتج علي ايجاد بعض النشاطات لإبعاد هذا الاكتئاب من ملامح هؤلاء الممثلين الشباب ،لأن هذه القصة تحوي منحى حزينا ليس بالسهل على شخص أن يتفاداه فيذكر أنه قد استدعى ارفاق الممثلين في الوقت المستقطع بفسح من  التسلية و هي خاصة بالترفيه         وتنظيم حيوية الاشخاص المحيطين و اليائسين ، وقد صرح أحد ممثلي  هذه السلسلة بأنه عند قراءته سيناريو المسلسل قد عم صمت رهيب و شحوب على ملامح رفاقه الممثلين داخل المسلسل ،  مع ان هذه الرواية لم تكن حقيقية و لكن هذا أحد ما تكلم عنه العديد من المفكرين بانه لا يجب ان نحصر انتباهانا    وإبداعنا وحياتنا في فكرة واحدة ، او تساؤل واحد فهذا يمكنه ان يخل من ديمومة العيش ، كمثال نسقطه على قضيتنا فنعي أن نفسية الممثل يجب ان تكون مجهزة بآليات دفاع ضد أي ضغط نفسي لتجسيد شخصية لأي من الشخصيات، فالدور يتطلب تأطيرا نفسيا ممتازا قبل مزاولة أي نشاط تمثيلي بخاصة عبر المشاهد الحزينة فقد يضع الممثل داخل دائرة وسواس مفرغة لمحاولة ايجاد حلول للشخصية و هذا لا ينفع لان الممثل ليس بالضرورة طبيب نفسي أو مرشد اجتماعي ممتاز.

      أخيرا ، ومما سبق ذكره وبالرغم من كل هته الاعترافات داخل موضوعنا و رغم صعوباتها فهي تحيلنا بأن  الابداع بلا سقف وأن المرض لن يكون عائقا أمام أيّ شخص لتحقيق طموحه فلا يجب ان نقتنع بسخافة أي تفكير غير ما نجده بنّاء وتحوّلنا الفكرة إلى أشخاص واعين بطابع كل عمل.

     ومن كل ذلك نخلص إلى التالي :

*على الممثل أن  يعامل كانسان له مهنة كأي فرد آخر لا نستطيع الضغط عليه او تكثيف الاعلام الى درجة ملاحقته من طرف الصحافة الصفراء أو المعجبين في ما يخص مهنته .

* توسيع نطاق الجلسات الترفيهية وتوفير الراحة له ، مع العمل على معالجة نقائصه خلال وقت التصوير و الاستماع له و محاولة ايجاد الحلول له .

* يجب أيضا على الممثل ألاذ يتخذ الدور بجدية فائقة حتى يصل الى درجة الجنون او الانتحار و تبطئ نفسيته الادمان على المخدرات و الكحول فهي علامات الاكتئاب عند الانسان .

* مشاركة الممثلين لبعضهم في أوقات الاستراحة و توسيع نطاق  الحوار عندهم و تبادل الافكار حتى لا يحس الممثل بالعزلة التي يمكن أن تضعه في دوامة النقص الذى يستدعي اضطراب اوهام الدور .

* عدم الضغط على نفسية الممثل