عباسية مدونى تكتب : الملتقى الوطني للأدب الثوري بالجزائر

55
123*123

 

والجزائر تعيش على وقع الاحتفاءات بالذكرى الرابعة والستون لاندلاع ثورة التحرير المجيدة ، ثمة العديد من التظاهرات الثقافية والفنية الموزعة عبر التراب الوطني  ، وجوهرة الغرب الجزائري مدينة تلمسان احتضنت فعاليات الملتقى الوطني للأدب الثوري في محور الثورة الجزائرية والإبداع الأدبي ، وهذا بتنظيم من لدنّ   "نادي الأنوار" بقصر الثقافة تلمسان .

   الحدث الذي جمع تحت رايته عديد الفنانين والمبدعين والمؤرخين ، عرف تقديم مجموعة محاضرات وإلقاءات شعرية ، وإثراء لهته الاحتفاليات والوقوف عند أهمّ المنجزات وما قدّمه المسرح بشكل خاص لهته الثورة ، ومدى تأثيره في الأفراد والجماعات بخاصة إبان فترة الاحتلال وما كابده الشعب الجزائري ، وكيف للفن الرابع أن كان جسرا هامّا للتعاطي مع مفهوم الحرية ، وكيف أثبت مبدعونا وجهات نظرهم بكفاحهم الإبداعي والنضالي عن طريق أبي  الفنون  .

  من بين لفيف الفنانين والمبدعين الذين أثروا نقطا مهمّة وبارزة تتعلق بالمسرح في الجزائر بخاصة خلال ثورة التحرير المجيدة وبعد الاستقلال ، نجد الفنان " سمير زموري" الذي قدّم ورقة قيّمة في ضوء ذلك ، أين وقف عند الارهاصات الأولى للمسرح في الجزائر ، وأهم الأصول والمنطلقات .

   حيث وقف عند أهم النقط التي كانت منطلقا لمسرح ثوري هادف من أولوياته بث الوعي القومي والمطالبة بالحرية من خلال أبي الفنون ، أين استعرض ظروف الاحتلال وما عايشته الجزائر وهي تحت نير المستبدّ، حيث  اتّسمت مرحلة الاحتلال بالعنف والبطش ، وبالمقابل مقاومة شديدة ودامية من قبل الشعب الجزائري ، كان البحث مستميتا عن سبل وطرائق لمقاومة هذا الاحتلال وردع شتى محاولاته في طمس الهوية والانتماء الوطنيين ، أين برزت عديد الاسماء في الساحة الفنية أمثال " الطاهر علي شريف " ، " عبد الرحمان الجيلالي" ، " محمد الصالح رمضان " ،" أحمد توفيق المدني " ، " محمد البشير الإبراهيمي " ، " علالو" و" محمد التوري"  والقائمة تطول .

    هذا وقد أكّد على ميلاد فرقة حزب جبهة التحرير الوطني سنة 1958 ، والتي كانت المنطلق الأساس لشرارة الوعي وما قام به المبدعون في مجال المسرح آنذاك ببعده الثوري لإيصال صوت الثورة وصداها خارج الوطن ، وإثبات شرعية الوطن باستقلاله وحريته بعد سلسلة لا متناهية من الاضطهاد وقمع الحريات ، وكيف التفّ الفنانون حول القضية الجزائرية وأسهموا بقدر وافر من الإبداع والعطاء الفني ، وقد استجاب كثير الفنانين والرجال لمطلب حزب جبهة التحرير الوطني ولعل في مقدمتهم نجد " مصطفى كاتب" ، " سيد علي كويرات " ، " عبد الحليم رايس" و" علي بن مبروك " ، والفرقة آنذاك حين تأسيسها سنة ( 1958) بعد تلبية نداء جبهة التحرير بمؤتمر الصومام سنة قبيل ذلك أي عام ( 1957) .

   ولا يفوتنا أن نذكر أن الفرقة في حد ذاتها قسمت الى فرقتين ، واحدة خاصة بالمسرح وأخرى بالغناء ، وقد لعب المسرح آنذاك دورا هاما وفعالا في إيصال صوت القضية الجزائرية للرأي الدولي ومدى شرعية وعدالة تلكم القضية .

  كما أشار إلى أول عمل ثوري في شكل مسرحي قدمته فرقة حزب جبهة التحرير الوطني كان عرضا مسرحيا بعنوان " نحو النور" بتونس عام 1958  ، متناولا العرض قضية شاب فدائي ، وقد قام ذات العرض بجولة فنية عبر التراب الوطني ، أما رائعة " أولاد القصبة " كثاني عمل رأى النور سنة 1959 ، حيث هذا العرض أحدث ضجة واسعة ، لتلي تلكم الفترة سنة 1960 وميلاد عرض " الخالدون " وقد حطت الرحال بالصين والاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا .

   فرقة حزب جبهة التحرير الوطني كانت تحمل أهدافا وطنية وقضايا مصيرية في أعمالها المسرحية ، وقد قوبلت بالمنع والرفض من لدنّ قوات الاحتلال ، ومع ذلك لم يثنها شئ بل زادها إصرارا وحماسا وقوة إيمان بمواصلة الكفاح الثوي فنيا .

  وبعد الاستقلال ، استمرت موجة النضال الفني من نوع آخر وهي موجة للنضال الفكري ، للاحتواء ، لبناء الهرم المجتمعي وإن بقي ذات القالب نضاليا بحتا نحو مجتمع راق وأكثر وعيا واكثر حضارة ، لأنه ما يزال يرمّم ما خلّفه الاحتلال الفرنسي .

   حيث كان من الطبيعي جدا ان تكون رسالة المسرح الجزائري امتدادا للمهمة التي قام بها قبل الثورة التحريرية المتمثلة في التعريف بالشخصية الجزائرية للرأي العام العالمي وحماية الشخصية الوطنية ومحاربة الآفات الاجتماعية لذا ففي فترة ما بعد الاستقلال اي فترة التشييد والبناء ومحاولة التحرر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي كان لابد للمسرح ان يكتسب نفساً طويلاً وجديداً لمواصلة الدرب على طريق التحرر التام وهذا ما دفع الحكومة التي تأسيسه كإجراء وطني ثوري يخدم الثقافة الوطنية والاتجاه الاشتراكي الذي تبنته الجزائر وقد جاء في اللائحة التي أصدرها المسرح الوطني عام 1963م ما يلي : " أصبح المسرح في الجزائر التي تبنت الاشتراكية وجعلتها ملكاً للشعب اصبح معبراً عن الواقعية الثورية التي تحارب الميوعة وسيكون خادماً للحقيقة في اصدق معانيها وسيحارب كل الظواهر السلبية التي تتنافى ومصلحة الشعب ولا يمكن ان تتصور فناً درامياً بدونه اذ دونة تتجرد الاشخاص من الحياة والرونق".
وقد اتخذت بعد الاستقلال سلسلة من الاجراءات استهدفت الرفع من قيمة المسرح والسير به نحو ما يخدم المبادئ الوطنية وتمثلت اساساً في قانون التأميم الذي تم في شهر فبراير 1963م وكان من نتاجه العملية انشاء مدرسة لتكوين الكوادر المسرحية ببج الكيفان عام 1965م والتي قامت بتخريج اعداد معينة من الفنانين كانوا جانباً من المسرح الوطني ومنها دفعتان من فناني الباليه الذين شكلوا فرقة الباليه التابعة للمسرح الوطني ـ ونأتي هنا الى مرحلة الازدهار التي تقلد فيها «مصطفى كاتب» منصب مدير المسرح بعد عام 1963م وهو معروف كممثل ومخرج مسرحي وقد بدأ حياته الفنية عام 1938م وبرز في هذه المرحلة كان من رويشد ومصطفى كاتب وولد عبدالرحمن كاكي»، حيث تألق رويشد بفضل اسلوبه الخاص والذي يقوم على معرفة حقيقية بنفسية الجمهور فكانت الكوميديا عنده هي الجسر الذي يوصل كلمته الى الجمهور، والفكاهة عند رويشد كما هي الحال عند محمد بن قطاف الذي يقول: "انها لا تضحك الجمهور فحسب بل تجعله يضحك على نفسه فيكشف نفسه وموقعه في المجتمع" .

    وقد قدم رويشد في تلك المرحلة (حسن طيرو) و(الغولة) و(البوابون) وكلها من تأليفه والتي تمكن من ان يستحوذ على اعجاب الجمهور لتوفيقه في ارساء اسس مسرح بسيط وجريء في ترك كاتب ياسين بصماته في المسرح الجزائري ولا شك ان مسرحيتي (الجثة المطوقة) و(صاحب النعل المطاطي)، والاخيرة من الامثلة التي تعرض قدرته المسرحية في تمجيد حقيقة الايمان بالحرية والتي حطم من خلالها اسطورة امريكا التي لا تقهر تلك المسرحية التي عكست نضال شعب فذ الا وهو الشعب الفيتنامي والى جانب رويشد وكاتب ياسين نجد (ولد عبد الرحمن كاكي) الذي ساهم بدوره في الاعمال التي قدمها المسرح الوطني في هذه المرحلة، ومن اهم اعماله (كل واحد وحكمه) و(القراب والصالحين)، (ديوان القراقوز) و(أفريقيا مثل الواحة) و(132 سنة) وفي خلاصة القول عن هذه المرحلة فإنه يمكن التأكيد على ان المسرح قد لعب دوراً طلائعياً وساير مجمل تطورات الوضع على المستويين الداخلي والخارجي أن الجمهور الذي صار يتردد على المسرح يعد خير شاهد على هذا القول.

   ويقول مصطفى كاتب بهذا الصدد (لقد شاركنا في مهرجانات عربية ودولية وقدم المسرح آنذاك أعمالا رائعة لفتت أنظار العديد من الجهات ولعل شهادة «شي جيفارا»، أحسن دليل على ما نقول إذ صرح بعد مشاهدته لعرض مسرحي بقاعة الأطلس بمناسبة فاتح نوفمبر 1962م قائلاً: "قيل لي بأنه لا يوجد مسرح في الجزائر ولكني رأيت المسرح الثوري بعيني في أرض الجزائر" .

  وقد أشار بدوره الفنان " زموري سمير" في مداخلته إلى رائد آخر من رواد الرسالة النضالية إبداعيا في المسرح ، ألا وهو " محمد بودية " الذي يعدّ مقاتلا ثوريا ومسرحيا وصحفيا ، وكيف اهتم بالمسرح هو الذي التحق بمعهد الفنون الدرامية سنة 1954 ، وقد عمل في فرقة المسرح لجبهة التحرير الوطني سنة 1963  ، وكان داعما لكفاح الشعب الفلسطيني .

    صفوة القول ، أن المسرح في الجزائر ما يزال يملك مكانته النضالية في شتى المجالات ، وكل مرحلة مر بها فقد صهرت إبداعه وصيّرته على ما هو عليه ، ونمّت الوعي ومدّت جسور التفاعل والتأثر ، وما يزال الفن الرابع يشق طريقه بفضل وعي كل المبدعين الحاملين لهمّ الرسالة الفنية مواكبين شتى التطورات ، فالمسرح يظل رافدا من روافد الوعي والحضارة ومواكبا لشتى التحولات والرهانات .